
الفصل الأول
—————
ركضت في الشوارع وهي تلهث أنفاسها بصوتٍ مسموع كادت أن تقع أرضا أكثر من مرة بسبب حذائها ذات الكعب العالِ، توقفت لثانية ثم مدت يدها لتخلغ نعليها وتلقي بهما على أحد الأرصف ثم تابعت ركضوها بسرعة مضاعفه ليُعيقها هذه ردائها الأحمر الطويل مدت يدها لترفعه وتكشف عن فخذيها الشقراء غيرمبالية بالمارة الذين يشاهدون هذا دون أن يعرض أحدهم المساعدة عليها لإنقاذها نظرت خلفها لترى كم ابتعدت عن ذاك الوغد الذي يريد أن يمارس معها ماحرمه اللَّه، قبل زواجهما عادت ببصرها إلى طريقها وجدت حالها في بئر والأفاعى تحيطها من جميع الإتجاهات التفتت بذعر وعبراتها تنهمر من ملتقتيها بغزارة وكأن شلال من الدموع مد شاب فارها الطول عريض المنكبين، وقف ومد يده ليساعدها على النهوض من هذا ليخرجا منه قائلا ببشاشه وابتسامة ودودة
– عشان نخرج من هنا لازم تحطي إيدك في إيدي
لم تستطع تميز الوجه أو الصوت، أصوات صاخبه تحثها على العودة من الأحلام إلى الواقع يد تربت عليها لتوقظها بهدوء ولكنها انتفضت قائلة بتوسل
-ارجوك ساعدني !
تمتمت والدتها بالبسمله بخفوت وهي تتضمها إلى حضنها بحنان بالغ مسدت على شعرها البني الطويل بحنو متسائلة بصوتٍ خفيض ونبرة تملؤها الحزن قائلة
– لسه بتحلمي نفس الحلم يا داليدا ؟
أومأت “داليدا” علامة الإيجاب وهي تستجمع شتات نفسها لتكذب كعادتها في كل صباح وثوانِ معدودة وخرجت “داليدا” بهدوء بعد أن نجحت في رسم ابتسامة مزيفة على ثغرها الذي يشوبه حبة الكرز في لونه وحجمه قائلة بصوتٍ مرتجف ونبرة حزينه
-متخافيش يا ست الكل أنا بقيت واخدة على الحلم خلاص
تابعت مازحه
– دا حتى أنا والواد ال في الحلم بقينا صحاب
ابتسمت والدتها بعد أن مازحتها “داليدا ” بحديثها الكاذب وكزتها في كتفها لتتصنع بدورها الوجع قائلة بمرح
-اه كتفي يانادية هو أنا قدك ولا إيه لأ حسبي دا أنتِ من أيام السمنه البلدي
أطلقت ضحكاتها الرنانه لتستيقظ ابنتها الصغرى قائلة بمرح وهي تصفق لها
-العب يا نوددددي دا الحاج لو كان عايش كان زمانه مات تاني بسبب ضحكت دي
انتقلت إلى الفراش المقابل لتضـ,ـرب ابنتها التي دثرت نفسها مرة أخرى ما أن رأت والدتها تجلس على حافة فراشها ظلت تفرك في مكانها كي لا تنجح والدتها في ضربها وكالعاده تنج والدتها في ضربها لتقف ” رؤى” رافعة يدها على جبهتها مؤدية التحيه العسكرية قائلة بسعادة
– تمام يافندم، الزغزة بنجاح وبناءً عليه هاروح أحضر الفطاااااار
ماتحضريش حاجه يا بشمهندسه رؤى العبد لله حضره وعصافير بطنه بتصوت سعادتك يلا بقى ابـ,ـوس ايديكم
أردف ” مصطفى” وهو يستند ببصدره العريض على باب الحجرة محاولا التأثير عليهن بدموعه المصطنعه كي يتناول طعامه قبل الذهاب إلى عمله
الجديد فهو شاب مكافح أصبح رب الأسرة بعد وفاة والده منذ خمس أعوام ظل يدرس في كلية التجارة بجانب عمله حتى نهاية آخر عام له في الجامعة فكان آخر عاما في كل شئ انتهى من الدراسه ثم انتهى من قصة حب، بدئت في العام الأول وانتهت مع نهاية العام الرابع وضعت حبيبته أما أن يسافر خارج البلاد ليعمل ويترك عائلته ويعمل في شركات والدها ويصبح زوجها والمسؤل عن أملاكها من بعد والدها أو يخسر كل شئ ويبقى مع عائلته التي ستأخذه للوحل كما قالت له
بالطبع اختار عائلته ودائما سيختار عائلته ويرفض دائما وضعهما في مقارنة فالمقارنة بينهن وبين أي شيئا آخر كالسماء والأرض …!!
كل هذا يعلمه عائلته الصغيرة كلما صمت وشرد قليلا علموا أن السبب في هذا حبيبته التي غرزت خنجر بقلبه وتركته ينزف دون أن تلتفت له
تجمعت العائله الملكة كما لقبها “مصطفى” حول مائدة الطعام وشرعوا في تناول وجبة الإفطار بين الضحك والمزاح والجدية إذا تطلب الأمر
ارتشف قدحا من “الشاي” وهو يخرج من جيبه مبلغ من المال ثم وضعه على سطح الطاولة الخشبية قائلا بتذكر
– معلش ياست الكل امبارح جيت متأخر ولما دخلت عليكي لقيتك نايمة دول 1000 جنيه بتوع داليدا عشان فستان الحنه والحاجات بتاعت البنات دي ماعرفش اسمها إيه بقى
بسطت “رؤى” يدها وقالت بحزن طفولي مصطنع قائلة
– وأنا مأخدتش وأنا وأنا
ضربها بخفه على مؤخرة رأسها وقال من أسنانه
– ابقي انزلي معايا النهاردا بليل واشتري ال يلزمك ملكيش بأختك دي عروسة
مازال حزنها مسيطر عليها ولكنها تحاول إخفائه عن عائلتها كما بررت لها والدتها بأنها تمر بحالة من القلق بسبب قدوم حفل زفافها وهذا يحدث للكثير من الفتيات ولكن لكل منهن تفسير لا تود تفسيره كما سألت عنه إحدى مفسرات الأحلام
انتشلها ” مصطفى” من بئر أفكارها وقال مازحا
– رحت فين ياجميل ؟!
ابتسمت له ابتسامة مزيفه وقالت بكذب
– معاكم أهو هاروح فين يعني
تابعت بامتنان
– والله يا مصطفى إنت مكلف نفسك كتر الف خيرك ال عملته لحد دلوقتي
وكز شقيقته ” رؤى” بجذعه في كتفها قائلا مازحا
– شايفه الذوق يا عديمة الذوق، مش أنتِ زي المنشار طالعه واكلة نازلة واكلة
رفغت كفه على جبهتها ثم وضعته على صدرها قائلة بنبرة ساخرة
– عشت الله يخليك يبشه
تابعت بجدية مصطنعه قائلة
– وبعدين إنت عاوز يبقى معاك فلوس ليه كتر الفلوس ياصاصا يا ابني بتبوظ أخلاق الواحد
مسكت خديه وقالت بسخرية
– متزعليش ياتي هابقى أسيب لك خمسه جنيه بعد كدا
وقف ” مصطفى” ثم رفع “رؤى” إلى مستواه وقام بجرها بيد وبالأخرى حمل حقيبتها قائلا بغيظ شديد
– وعليه إيه أنتِ خُدي الفلوس ال أنتِ عاوزها وأنا أمرمطك زي ما أنا عاوز
– مرمط براحتك يبشه مانا آخر العنقود بردو ولازم استحمل
بهذا المشهد ينتهى دور ” مصطفى” في إدخال السعادة على قلبهما ويعود هو إلى عمله الشاق بعد أن قام بتوصيل شقيقته إلى الجامعه أولا ..!
وفي مكان آخر وتحديدا منزل
عائلة” إياس المصري” عائلة ثرية تملك الكثير من الشركات” إستيراد والتصدير ” ومصانع لإنتاج اللحوم ”
عائلة بإمكانها شراء أي شئ وكل شئ عدا” الصحه و راحه البال ”
فكلاهما لايباع ولا يشترى عائلة مكونه من
” أربع أفراد” إياس ، ووالدته وشقيقته الصغرى وجده ”
انعزل ” الجد” عن العالم بأسره وعاش في مزرعته القابعه في إحدى المحافظات بعد أن توفى ابنه الوحيد في حادث مُنذ أكثر من عشر سنوات كم كان حادث آليم على الجميع فقد فيه كل شخص جزء لايتجزء من حياته ولكن بعد مرور أعوام عاد كل شئ كما بطبيعه البشر ونعمه النسيان
رحل والد ” إياس” وترك الم الفراق في قلب والده المُسن الذي فضل الرحيل من البيت قبل أن يرحل هو من الدنيا ..!
عادت الحياة مرة أخرى كما كانت مع مرور الزمن
أصبح ” إياس” هو رب الأسرة في غياب جده
حمل على كتفيه ما لايتحمله بشر ألا وهو الشعور بالذنـ,ـب تجاه والدته.
لذالك يحاول تعوضيها قدر المستطاع، كما أصبح الأب والأخ لشقيقته ” أريچ”
يعمل ضابط شرطه في الصباح وفي المساء طبيب الجروح لدى الجميع حمل ثقيل يحمله على كتفه وقابل بهذا بل على أتم الاستعداد لفعل ما هو أصعب كي يرى البسمة على وجوه الجميع فلم يعد لديه أحد بعد والده
شاب في الثلاثين من عمره فاره الطول عريض المنكبين أسمر اللون ذو عينين عسليتين …!
لم يكن له أي علاقة نسائية من قريب أو من بعيد
كرس حياته لعائلته وإسعادئهما فقط .!!
جلس على رأس المائدة يتناول وجبة إفطاره في صمت تام ثوانِ قليلة ثم جاءت الخادمة بالقهوة تناولها وهو ينظر في ساعته المثبته على معصم يده
وضعت والدته قدح القهوة وقالت بفضول
– عندك حاجه مهمه يا إياس ؟
رد باسما
– مافيش يا ماما بس النهاردا عندي شغل كتير مابين تنفيذ احكام وحاجات تاني متشغليش بالك أنتِ
ابتسمت وقال بحنو وهي تربت على يده
– ربنا معاك ياحبيبي شغلك متعب وإنت دايما بتحب التعب
مازحها قائلا
-من شابه أباه فما ظلم ماهو بابا كان متعب زي كدا ولا إيه
ردت “أريچ”.مقاطعه
– لأ لأ، بابا كان هادي إنما إنت ياساتر يارب ربنا يكون في عون مراتك ال جاية
ابتسم وقال بسخرية
– ارتاحي مش هاتيجي قاعد على قلبك لحد لما يجي المسكين ال هاياخدك وياخد مقلب حياته
ضيقت حدقتها وقالت بتوعد
-بس هو يجي وأنا أعرفك مقلب حياته ولاهديه حياته
تناول يد والدته بين راحتيه ولثم عليه قـ,ـبله خفيفه ثم لثم رأس أخته وتركهما ذهابا إلى عمله الذي أصبح كل شيئا في حياته ..!!
نظرت ” أريچ” إلى والدتها وقالت بإحباط
– ماعنديش حاجه أعملها تعالي نخرج ياماما



